لم يتخيل كثير من ملاك الوحدات في منتجع «مراسي» بالساحل الشمالي المصري أن امتلاك شاليه أو فيلا تبلغ قيمتها عشرات الملايين لن يضمن لهم حرية الاستمتاع بشاطئ بلدهم أو ممارسة أبسط أشكال الترفيه فيه. ومع مرور الوقت، قد يجد هؤلاء أنفسهم أقرب إلى نزلاء في مستشفى أو سجناء في منشأة شديدة الحراسة، يتحركون وفق لوائح إدارية صارمة تنتقص من جانب كبير من الامتيازات التي اعتقدوا أنهم حصلوا عليها مقابل الأموال الطائلة التي دفعوها.


وتتصدر قضية ما يحدث داخل «مراسي»، المملوك لشركة «إعمار مصر» التابعة لرجل الأعمال الإماراتي محمد العبار، المشهد في مصر حاليًا. وبين مشاعر الابتزاز والدونية والقلق من تنامي النفوذ الأجنبي على الشواطئ والسواحل المصرية، تصاعدت موجة واسعة من الغضب على منصات التواصل الاجتماعي، في وقت عجزت فيه الحملات الإعلامية والإعلانية التي ظهرت على بعض المواقع والصحف والقنوات التلفزيونية عن احتواء هذا الغضب أو تهدئته، وفقًا لما أورده نون بوست.


وحولت تلك الممارسات الشركة الإماراتية من مجرد مستثمر عقاري إلى شريك يتمتع بنفوذ واسع داخل السوق المصرية، بل إلى كيان يشبه «دولة داخل الدولة»، بالنظر إلى حجم استثماراتها واتساع نطاق تأثيرها. وحذر آخرون من أن نموذج التنمية الساحلية هذا يحمل أبعادًا اجتماعية شديدة الخطورة، إذ قد تتجاوز تكلفته الاجتماعية عوائده الاقتصادية، عبر ترسيخ المجتمعات المغلقة والعزلة الطبقية والتفاوتات الاجتماعية الحادة، بما قد يضر بالنسيج الاجتماعي ويعمق مشاعر التمييز والإقصاء.


ويحاول هذا التقرير تسليط الضوء على الحجم الحقيقي لاستثمارات الشركة الإماراتية في مصر، وكيف نجحت في بناء هذا النفوذ المتزايد، الذي يرى البعض أنه تحول إلى قيد يشعر معه قطاعات من المصريين بالغربة داخل وطنهم، ويحول دون استمتاعهم بموارده الطبيعية وشواطئه، حتى بعد دفعهم مبالغ باهظة. ويبقى السؤال الأهم: من مكن محمد العبار وشركته من الوصول إلى هذا الحجم من التوسع والنفوذ داخل السوق المصرية، وسط علامات الاستفهام المثيرة للجدل التي تحيط بهما؟


حين يتحول أصحاب الوحدات إلى «ضيوف»

 


تجاوزت شكاوى ملاك «مراسي»، التي وثقتها مقاطع فيديو متداولة على منصات التواصل الاجتماعي، حدود ما يراه كثيرون مقبولًا، وأثارت موجة واسعة من الجدل امتزج فيها الغضب بالسخرية. ورأى كثيرون أن الممارسات التي جرى الحديث عنها غير منطقية، وتحول أحد أغلى المنتجعات في مصر إلى ما يشبه معسكرًا مغلقًا يخضع لنظام صارم من المراقبة والقيود، يقيد السكان ويحد من حريتهم داخل المنتجع.


وفرضت إدارة المنتجع، بحسب أبرز الشكاوى المتداولة، قيودًا على دخول الضيوف، مع إلزامهم بالتسجيل عبر رمز الاستجابة السريعة «QR Code». وقال أصحاب الشكاوى إن الملاك مطالبون أيضًا بدفع ما يقرب من ألف دولار يوميًا مقابل دخول الشاطئ، رغم امتلاكهم وحدات سكنية داخل المنتجع.


وتحدث ملاك عن فرض غرامات وصفوها بالمبالغ فيها، من بينها غرامة تصل إلى 15 ألف جنيه مصري عند النزول إلى البحر في أثناء رفع العلم الأسود، وهو علم يقول بعضهم إنه يُرفع أحيانًا دون مبررات واضحة. كما تشمل العقوبات ركن السيارات في أماكن غير مخصصة لذلك أو نشر الملابس في الشرفات، إلى جانب الارتفاع الحاد في الرسوم وفروق تكاليف الصيانة، التي قال بعض أصحاب الشكاوى إنها وصلت إلى نحو 100 ألف جنيه مصري سنويًا.


ودفعت هذه القيود، التي وصفها ملاك بأنها مجحفة، نحو 22 مالكًا لوحدات في «مراسي» إلى اللجوء للقضاء في 10 يوليو، إذ أقاموا دعوى قضائية ضد شركة «إعمار مصر» وطالبوا بتعويض قدره 100 مليون جنيه مصري. واتهم الملاك الشركة بفرض لوائح وقيود تنتقص من حقهم في الانتفاع الكامل بوحداتهم العقارية والمرافق المرتبطة بها، رغم المبالغ الضخمة التي دفعوها لامتلاكها.


من مستثمر إلى شريك.. كيف توسع نفوذ إعمار في مصر؟

 


تأسست شركة «إعمار مصر» عام 2006 كشركة مساهمة مصرية عبر شراكة بين شركة «إعمار العقارية» الإماراتية، التي يرأسها محمد العبار، بحصة تبلغ 40%، ورجل الأعمال المصري شفيق جبر بحصة تصل إلى 60%. وأتاح هذا الهيكل القانوني للشركة الاستفادة من عدد من المزايا والحوافز الاستثمارية، من بينها بعض الإعفاءات السارية آنذاك، بموجب قانون الشركات رقم 159 لسنة 1981 وقانون ضمانات وحوافز الاستثمار رقم 8 لسنة 1997.


وبعد فترة قصيرة من بدء الشركة نشاطها في السوق المصرية، تصاعدت الخلافات بين الشريكين، وانتهت الشراكة مع جبر. واستحوذت «إعمار العقارية» لاحقًا على الحصة الأكبر في «إعمار مصر» عام 2007. ومنذ ذلك الحين، أصبحت الشركة مملوكة إلى حد كبير للشركة الأم المدرجة في سوق دبي المالي، بحصة تقدر بنحو 89% من الأسهم.


وأطلقت الشركة أول مشروعاتها في مصر، «أب تاون كايرو»، عام 2006 على مساحة تقارب 5 ملايين متر مربع في هضبة المقطم. وفي العام التالي، فازت الشركة بمناقصة تطوير منطقة سيدي عبد الرحمن على الساحل الشمالي، بمساحة تقترب من 6 ملايين متر مربع، في صفقة أثارت جدلًا واسعًا آنذاك بسبب تخصيص هذه المساحة الشاسعة لمستثمر أجنبي واحد.


وتوالت بعد ذلك مشروعات الشركة، من بينها «ميفيدا» في القاهرة الجديدة على مساحة تقارب 3.8 ملايين متر مربع، و«كايرو جيت» في مدينة الشيخ زايد على مساحة تقترب من 558 ألف متر مربع، ثم «بيل» في مدينة السادس من أكتوبر على مساحة تقارب 2.1 مليون متر مربع، في موقع استراتيجي بالقرب من محور 26 يوليو وطريق القاهرة-الإسكندرية الصحراوي.


وأعلنت الشركة عام 2025 توقيع اتفاقية شراكة مع شركة «ميدار للاستثمار والتنمية العمرانية» لتنفيذ مشروع «نيو ميفيدا» في القاهرة الجديدة، على مساحة تقارب مليوني متر مربع، في موقع استراتيجي على طريق القاهرة-السويس.


وتشير بعض التقديرات إلى أن المساحات التي امتلكتها الشركة أو تولت تطويرها في مصر بلغت، بحلول عام 2021، نحو 10.9 ملايين متر مربع، موزعة على عدد من المشروعات الكبرى، أبرزها «أب تاون كايرو» في المقطم، و«ميفيدا» في القاهرة الجديدة، و«كايرو جيت» في الشيخ زايد، إلى جانب «مراسي» على الساحل الشمالي.


وبحلول عام 2025، ارتفع حجم الأراضي والمشروعات المرتبطة باستثمارات الشركة، وفق تقديرات أخرى، إلى نحو 17 مليون متر مربع، إضافة إلى نحو 12 مليون متر مربع تطورها الشركة بالشراكة مع جهات ومستثمرين آخرين.


وحول هذا التوسع السريع في حجم نفوذ العبار وشركته داخل السوق المصرية، وفي ظل هذه الأرقام المثيرة للقلق والجدل، تحول رجل الأعمال الإماراتي، في نظر منتقديه، من مستثمر أجنبي إلى شريك في الدولة المصرية وأحد اللاعبين المؤثرين على الساحة. وأثار ذلك مخاوف لدى كثيرين، خاصة مع بدء البعض في مراجعة سيرة رجل الأعمال الإماراتي وعلاقته الوثيقة بإسرائيل.


«مراسي» ليست النهاية.. توسع يمتد من الساحل إلى قلب القاهرة

 


يبدو أن نموذج «مراسي»، المحاط بعلامات استفهام وشكاوى يرى أصحابها أنها تمس، في بعض جوانبها، سيادة الدولة المصرية وسيطرتها على شواطئها وسواحلها، لن يكون المحطة الأخيرة في مسار توسع محمد العبار داخل مصر، وهو ما ألمح إليه رجل الأعمال الإماراتي نفسه.


ورغم تأكيده أن حجم استثماراته في مصر يتجاوز 35 مليار دولار، فإنه لا يزال يتطلع إلى تحقيق طموح جديد ينقل وجوده من السواحل الشرقية والشمالية لمصر إلى قلب العاصمة. وخلال توقيع عقد مشروع «مراسي البحر الأحمر» في سبتمبر 2025، كشف العبار عن بحثه عن فرصة استثمارية جديدة في مصر، مكررًا إعجابه بالقاهرة الفاطمية، وقال: «أريد وسط البلد؛ أحب هذه المنطقة لأنها تعكس عظمة القاهرة. الأمر لا يتعلق فقط بحبي للاستثمار، وإنما بحبي للقاهرة نفسها».


وأثار هذا التصريح، بما يحمله من وضوح في الاتجاه، مخاوف متزايدة لدى قطاعات من المصريين، لا سيما في ظل تقارير تتحدث عن اعتزام الحكومة طرح عقارات ومبانٍ في منطقة وسط القاهرة التاريخية للاستثمار، بالتزامن مع إخلاء عدد من المقار الحكومية ونقلها إلى العاصمة الإدارية الجديدة، إلى جانب تعديلات قانون الإيجار القديم التي جردت كثيرًا من الملاك من وحداتهم في تلك المنطقة.

 

 لم يعد اتجاه مصر نحو بيع أصول الدولة، بهدف تغطية العجز الناجم عن سنوات من السياسات المالية والاقتصادية الخاطئة وما خلفته من تراكم غير مسبوق للديون، مجرد مسار استثماري أو أداة لتوفير السيولة. بل تحول، بحسب رؤية التقرير، إلى مصدر لتهديدات سياسية وثقافية متزايدة، قد تؤدي تدريجيًا إلى تجريد الدولة المصرية من أصولها ومواردها الاستراتيجية، وتهدد قدرتها على التحكم في إمكاناتها الاقتصادية، وربما تمتد مستقبلًا إلى هويتها الوطنية وسيادتها وأمنها.

 

https://www.noonpost.com/en/380430/amp/